تمرد الغزال

إن الخالق لمّا خلق الروح عيّن له حدودًا وحبسه في ثلاثة سجون: الزمان والمكان والجسد. 

وقد حقت اللعنة وهلك كل من حاول أن يخرج من هذه الحدود لأن الخالق قدسها وجعلها قدرا في رقبة المخلوق، ومخالفتها تمرد على ارادته.

وحدث أن اغتر الغزال بقرنيـه الكبيرين، وخرج عن القطيع في السهل تطاول في الجبال، واعتلى أعلى قمة … القمة المهيبة الزرقاء المعممة بالغمام التي يخشی حتى الودّان أن يقترب منها. فماذا كان جزاء لزيف الحجر خروجه؟ عاقبه الخالق بطائر متوحش لا تعلو عليه قمة، فبقر بطنه بضربة من مخلبه، وصرعه، وتدحرج عبر السفح وأعاده إلى السهل جثة مبقورة.

فمن أراد أن يخرج من المكان أراد أن يخرج من بدنه، ومن أراد أن يخرج من البدن أراد أن يخرج من الزمان، ومن أراد أن يخرج من الزمان ادعی الخلود، ومن ادعي الخلود كفر بقدره وتطاول على المعجزة ونافسه في الألوهية، ومن نافسه في الألوهية رده إلى الفنـاء. فلماذا نهرب من قدرنا ونذهب إلى تاسیلی؟ كيف نترك سهول الحمادة بمفاجآتها وزهورها وأعشابها وترفاسها وهوائها ونهاجر إلى ماوراء الرملة حيث تزحف الزواحف وتتسكع الوحوش؟

-من كتاب نزيف الحجر، إبراهيم الكوني