رسالة من لبنان: بين الأرز والبيض

لديّ صديقة رايقة اكتسبت عادة مراسلة الأصدقاء. في يوليو 2018، كتبت لي رسالة بخط يدها في ثلاثة أوراق. بعد مرور شهرين، كتبت لها الرد.


أهلًا لمياء،

أريد أن أخبرك أن أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أتلقى رسالتك هو الشعور الذي كان ينتاب الناس آلاف السنوات الماضية عند تلقيهم رسالة، ربما من خلف البحار والصحاري. رسالة آتية لهم لتخبرهم عن المجهول البعيد، سواء من قريب حبيب أو قائد الجيش. 

قررت أن أقرأها على رواقة وتمعّن، تمامًا كالأبطال في روايات جين أوستين، يركضن بحماسة ويقفزن على السرير ليقرأن تلك الورقة المقدسة. 

كل ما أشتاق له الآن هو البطئ، فسرعة الحياة اليوم في الرياض تقتلني. كان وصول الرسالة والشروع بالطقوس الواجبة لقراءتها يدخلني قليلًا في حالة البطئ التي دخلها الناس قبل عصر السرعة وعند تلقيهم الرسائل. كما لمست البطئ والرواقة التي كُنتي فيها عند كتابتك الرسالة.

كانت الخطة أن أرد عليك برسالة رايقة في نيويورك في أغسطس الماضي. تخيلت نفسي قبل السفر وأنا في حالة البطئ والهدوء في إجازتي الصيفية، أكتب لك رسالة في إحدى المقاهي المحلية في منهاتن. ويال حماقتي، كنت أخطط لرحلة روقان بطيئة في أكثر مدن العالم سرعة، نيويورك. 

نيويورك مدينة لا يمشي فيها الناس، بل يركضون، وكأنهم يريدون أن يسبقوا الزمن. أتعلمين، حتى الحيوانات والحشرات تركض، الكلاب والفئران والصراصير. 

مدينة ضخمة ومليئة ومتراكمة، أشياء كثيرة تحدث في كل زاوية وبقعة. لا يستطيع المرء فيها أن يرى كل شيء، إلا أن هاجس رؤية كل شيء أرهقني، وأصبحت أخطط كالمجنونة لزيارة كل مكان في كل دقيقة. 

أرسل لي حينها صديقي يوسف رسالة صوتية يتغزّل بنيويورك ويتذكر فيها أبيات شعر لوالت وايتمان:

[su_quote]أعطوني الوجوه والشوارع، دعوني أرى جديد منها كل يوم الأشخاص يتدفقون بلا نهاية، بأصوات ومشاعر قوية ومواكب فخمة فشوارع منهاتن تخفق صاخبة، كصخب عروق خافقة نسمع فيها قرع الطبول كما هي الحال الآن وجوه منهاتن وأعينها، أريدها إلى الأبد[/su_quote]

ولكن، ذهبت إلى متحف The MET، حيث عُرضت فيه غرف وصالونات ومكتبات بتصاميم تعود للقرن التاسع عشر والثامن عشر. تلك الصالونات بجدرانها الخشبية العتيقة، والجلسات وستائر الحرير الملونة بزخارف معقدة وجميلة، والكتب المصفوفة بجلودها الملونة العريقة، والمدفأة التي تذكرني بروايات دوستويفسكي وليو تولستوي. 

ذهلت! وغبطت كل من عاش في ذلك الوقت، تخيلت الحياة البطيئة العميقة التي كانوا يعيشونها. ذلك اليوم الطويل الذي لا تلاحقهم فيه أهداف كثيرة يجب تحقيقها، ولا أخبار متسارعة تكدر يومهم، يستطيعون قضاء ساعات طويلة في قراءة عميقة مع غياب الشعور بالذنب. تمنيت أن أقضي شهرًا واحدًا فقط في تلك الحقبة، أقرأ الكتب واستمتع بعمقها دون توقف، بعقل حاضر غير متوتر، مع غياب مداهمة الهواجس والتفكير بالعمل، ومع صمت الصوت الذي يجعلني أقف على أطراف أصابع قدماي. 

فشلت، لم أقضي لحظة بطيئة واحدة في نيويورك، وعدت أدراجي للرياض ولم أستطع أن أجلس ساعات قليلة للرد على رسالتك. 

حالة الركضة هذه غير طبيعية، غير إنسانية. 

أما هذه المرة، فكانت الوجهة بيروت. أغلقت تنبيهات كل شبكات التواصل الإجتماعي، بما فيها الوتساب، ولم أأخذ حاسوبي معي، وكل الأجهزة على الصامت، لا أفتح الجوال إلا لطلب سيارة أو لمعرفة اتجاهات الطريق. قررت أن أتذكر كيف كانت الحياة بدون الجوال. ونسيته.

يوم الجمعة 20 سبتمبر، الساعة 11 صباحًا، أوقف السائق المركبة في أحد شوارع بيروت الضيقة الملتوية، وأخبرني أن الفندق على اليمين في منتصف الدرج.

بيروت مدينة ساحلية بُنيت على عدة تلال، والسلالم في كل مكان. إذا أردت أن تصلي لبعض الأماكن، فعليك الصعود أو النزول على الدرج والتوقف في منتصفه لدخول المطعم على اليمين أو الفندق على اليسار. بالنسبة لي، أنا ابنة المدينة المسطحة في منتصف الصحراء، كان ذلك عجيبًا. تصورت حينها عزيمة الإنسان في البناء والإعمار. هناك تلة؟ لا مشكلة، نبني فوقها شارع أو عمارة. 

نزلت الدرج المبني تحت أقدامي من حجارة قديمة وأنا حاملة حقيبتي، أمرّ بين المطاعم والمحلات على يميني ويساري، والأشجار تغطي السماء من فوقي وتطل علينا الورود من شُرف الشقق في الدور الثاني. 

الفندق هو بيت قديم في حي الجميزة حوّله صاحبه اللبناني، ميشيل، إلى فندق (هوستيل). أبقى صاحبُه الملامح القديمة للبيت كما هي. كل شيء قديم هنا يذكرني ببيت جدتي في الملز، أظن أنها غادرته إلى منزل آخر عندما كان عمري سبع سنوات. بلاط الأرض نفسه، الأبيض المنقط بالأسود والرمادي، وكذلك الشبابيك والأبواب الخشبية المصبوغة باللون الأبيض وفي وسطها اكريليك شفاف مثلّج بزخارف بسيطة، والدرج ذو الدربزين الجداري القصير.

عندما انتقلت الوزارات من جدة للرياض، أمر الملك سعود ببناء حي الملز للموظفين في خمسينات القرن الماضي. كان يُعتبر من أفخم وأجد الأحياء في الرياض. كان جدي يعمل في وزارة المالية وأخيه مدير مدرسة، أعطاهم العمل في الحكومة الحق في الحصول على بيت في الملز، حيث كان بالنسبة لهم أفخم من الشانزلزيه وهو حي الناس “المتمدنين”. يقول عمي أن البيوت بُنيت بطريقة تعتبر حديثة وقتها بالنسبة لأهل نجد، فقد كان أهل الحجاز هم “الكشخة” وبُنيت البيوت لتنال رضاهم وليوافقوا على الانتقال من جدة.

عرفت الآن أن المصممين والمدرسة الفكرية للبناء جاءت من لبنان. فحتى مداخل الشقق في بيروت ومعالم البناء من الخارج تذكرني بحي الملز. كم هو غريب أن أمشي في شوارع بيروت في حي الجميزة في هذا العصر وأنا أشعر أنني على شارع الحمراء في الملز في الخمسينات.

هأنا في الخمسينات، في الملز، في هذا البيت القديم، وبدون جوال، في هذا الحي الهادئ، وأخيرًا، استطعت أن أعيش يومي ببطئ. 

أستيقظ الساعة 7 صباحًا وأنا أسمع الأغاني الأثيوبية للخادمات وهن منطربات يحضرن مائدة الافطار. الشباك يطل على عمائر الشقق المجاورة بشُرف عليها غسيلهم المنشور. أنزل للدور الأرضي لأجد الخادمات يتراكضن حاملين الصواني بصحون المربى والزيتون واللبنة المحلية والعنب الأخضر والبنفسجي، ورائحة القهوة السوداء الأميركية تبخّر المكان. 

 أقرأ رواية الأم لمكسيم گروكي، وهي الرواية التي تسببت في اندلاع الثورة الروسية ضد القيصر عام 1917.  تلك الرواية اللذيذة التي يُسهب فيها مكسيم التفاصيل بعناية وببطئ. يصف لنا أصابع يد الضابط وهو يختطف الكتب ويقلّب الصفحات، والصوت الذي يصدره رمي الكتب، 

قطعت قراءتي أهازيج وزغرطات عُرسٍ مجاور. بدأت عائلة العروس تزفها نزولًا من الدرج الذي يتواجد فيه الفندق. خرجت مع نزلاء الفندق وصاحبه ميشيل والخادمات بحماس. كان مع الخادمات بوادي فيها رز جاف، وميشيل يطلق التبريكات مهللًا وممازحًا الأسرة ويطلب من الخادمات: “ارمولهن رز”.

أخبرتني جارتي اللبنانية في الطائرة لاحقًا بالاعتقاد السائد عن الأرز وفوائده في الحماية من الحسد. ثم قالت: “وأنتم كمان عندكم البخور يحمي من الحسد، مهيك؟”. قلت لها: “لا، حنا عندنا التفال”.

للبنان علاقة غريبة مع الأرز، فشجرة الأرز مرسومة في علمهم، وكانت أول قطعة أثرية في المتحف الوطني ببيروت هي جذع شجرة الأرز، حيث كُتب على اللائحة الإرشادية: 

[su_quote]اشتهر أرز لبنان منذ القدم بنوعيته ورائحته العطرة. استخدم المصريون والآشوريون والبابليون الخشب في بناء سفنهم وقصورهم. ولبى حيرام، ملك صور، طلب سليمان وزوده بخشب الأرز لبناء الهيكل [المزعوم] في أورشليم.[/su_quote]

وحتى الثورات في لبنان يِسمونها بالأرز، فثورة 14 آذار عام 2005 تلقب بثورة الأرز، حيث انتفض الناس مطالبين بالاستقلال من التدخل السوري بعد إغتيال رفيق الحريري. 

مرّ موكب العرس، وعُدت إلى كتابي، إلى البُطئ والروقان. 

شكرًا لك على إدخال الرسائل لعالمي، فقد شعرتُ وأنا أكتبها أخيرًا بشعور بنات روايات جين أوستين واللاتي كنت أحسدهن. 

والآن، هبطت الطائرة وعادت تنبيهات شبكات التواصل الاجتماعي.


في يوم 17 أكتوبر 2019، بعد ثلاثة أسابيع من مغادرتي بيروت، اندلعت ثورة لبنانيّة جديدة، ولكن هذه المرة لم تكن رمزيتها في الأرز، بل البيض.