خروج “العدالة” من الظل

قبل حضورنا جلسة في المحكمة المدنية في مقاطعة كوك في مدينة شيكاغو، كان الأستاذ يسرد لنا قوانين الجلسة: التصوير ممنوع، والحديث ممنوع، وعلينا الوقوف عند دخول القاضي ولا نجلس حتى يجلس. ثم أخبرنا بقصة الرحلة التي انتهت بطرد طلاب معهدي من قاعة المحكمة بعد ما أزعجت دردشة أحدهم القاضي.

المكان شبيه بالمحاكم التي نشاهدها على التلفاز، جدرانٍ خشبية تعطي المكان هيبة فريدة مع العَلَم الأميركي على اليمين وطاولة القاضية في المقدمة ورائحة تجعل كل من يدخل يدرك أن المكان عتيق مر به آلاف البشر عبر السنوات.

دخلنا وقصة الطرد المرعبة خاطفة أذهاننا لدرجة جعلتنا نتحكم بصمتنا بكامل وعينا. جلسنا على مقاعد خشبية في الخلف تشبه مقاعد الكنيسة الطويلة الممتدة على اليمين واليسار.

القاضية كانت سيدة عمليّة سوداء البشرة تقرأ سلسلة طويلة من الجمل الرسمية على رجل وامرأة واقفين أمامها مستمرين في تبادل تكرار كلمة ”نعم“ حسب من توجّه له القاضية السؤال. همس لي زميلي على يميني الجملة التي قالها أستاذنا للطالب الجالس بجواره والذي قام بدوره بنقل الجملة شخص تلوا الآخر: ”أنها جلسة طلاق“. التفت إلى زميلتي على اليسار وهمست في أذنها: ”أنها جلسة طلاق“.

انتهت الجلسة ووقع كل من الطليقين الأوراق ثم أداروا ظهورهم متجهين للباب، عندها أدركو الأشخاص الجالسين في الصف الأخير على يمينهم والذين حضروا للتو جلسة طلاقهم. كأني رأيت رغبتهم بأن تبلعهم الأرض على أن يشاركهم مجموعة من الغرباء لحظة كُنت أظن أنها ذات خصوصية.

وقف صفنا كلٌ ينتظر تحرّك من على يمينه، القاضية تسأل موظف المحكمة ويجيبها بكل احترام وتبجيل، ثم انتَبَهت لنا ونحن نهم بالخروج ونادتنا. تجمدنا في أماكننا من الخوف، ثم طمننا مدرسنا أن القاضية تريد فقط الحديث معنا.

تحولت ملامح القاضية الجدية العملية المتململة التي شهدناها لمدة خمسة عشر دقيقة إلى شخصية لطيفة مثل أمٍ لديها فضول عن يوميات أبنائها. اقتربنا من طاولتها وشرح لها أستاذنا بخجل أننا طلاب من دول متعددة نتعلم اللغة الإنجليزية. كانت تسألنا عن دولنا وكيف نرى الحياة في شيكاغو والسكن الذي نقيم فيه، وانتهت بوصايا دفع الإيجار على الوقت المحدد تفاديًا للمشاكل.

ناقشنا عند عودتنا للصف ما شاهدناه، وتحدثتُ عن تعاطفي مع الشخصين اللذان بدا لي وكأني انتهكتُ خصوصيتهم، ولكن أستاذي الأميركي شرح لي أن فتح جلسات المحاكم يُعد تطبيقًا للشفافية في نظام العدالة، وأنه مواطن أميركي يدفع الضرائب ومن حقه أن يعرف ما يجول في المحاكم ويستطيع الدخول على بيانات المحكمة المتاحة لكل المواطنين. كما يحق للمنظمات العالمية حضور الجلسات لتُمثل دور الرقابة ضد انتهاك حقوق الإنسان.

ذكرت له ما قاله إدوارد سنودن، الذي سرّب بيانات سريّة لوكالة الأمن القومي الأميركية أثناء عمله في وكالة المخابرات، وهرب إلى روسيا خوفًا من قبضة أميركا. قال أنه لا يمانع العودة للولايات المتحدة لو كان سيحاكم في محكمة علنية مهما كانت العواقب القانونية، إلا أنه يعرف أنها ستكون محاكمة في الظل، ولذلك قرر الهروب.

بعد ما قرأنا في الصف الرسالة المفبركة إلى مارتن لوثر كينج، كان مدرسي الأميركي يعبّر عن استيائه من خساسة المخابرات وقتها، إلا أنني حدثته عن انبهاري من الشفافية العميقة التي تتسم بها المخابرات من هذا الكشف، بعض الأحيان.

هل سيكون العالم أفضل لو خرجت المحاكم من الظل؟ ربما.