دخلت عالمًا إفتراضيًا في المساء

تتواجد قهوة Free Hand في مقدمة لوبي محاطة جدرانه بالخشب الغامق والإضائة الهادئة. يقع الفندق على شارع أوهايو في شيكاغو، حيث تفتح القهوة في الصباح الباكر وتغلق الساعة السادسة مساءً، وهو الوقت الذي يفتح فيه البار في نهاية اللوبي وأظن أنه يبقى مفتوح إلى آخر الليل.

أثناء ساعات العمل في نهار يوم خريفي، كان الجميع يحدقون في شاشات أجهزتهم ولا يتحدث أحد مع الغرباء ويعمل الكل في انغماس طويل. حلَّ المساء وأغلقت القهوة وفتح البار وأنا أعمل في زاوية بعيدة غير مدركة لانفتاح عالم إفتراضي جديد في نفس المكان. بعد مباشرة أكثر من شخص غريب بالحديث معي بعفوية وبدون أي رسمية، استوعبت أنني دخلت عالم إفتراضي ذو قوانين إجتماعية أكثر أريحية وعفوية ومساحة مقبولة للحديث بشكل غير رسمي مع الغرباء.

المكان نفسه، ولكن قوانينه تتغير مرتين في اليوم حسب حركة الكرة الأرضية حول الشمس.

إعتراض الجسد على نقض كليته

قبل أكثر من سنة، خلعت ضرسين، وتبين أن الدكتور ترك الجذور، وكان على الدكتور قبل أمس أن يخلعها لزراعة سن.

لي يومين مع المضاد الحيوي واليوم استيقظت على تورم في خدي اليسار وكأن جسدي يعترض على إزالة قطعتين منه لا تتجاوز طولها 3 مم، فهذي القطعتين الصغيرة أربكت كليته التي اعتاد عليها، وهو غاضب يقاوم ويعترض على نقض كليته. أتخيل المدراء الكبار لجسدي وهم في حالة طوارئ وتواصل مجنون بين إدارات الجسم لفهم ماذا حدث، ثم بعد استيعابهم لكل ما حصل، يبدأ الانهيار والاعتراض على القضاء، أتخيلهم أشخاص في حالة انهيار في كل شريان تشبه حياة الفهد وهي تبكي على الجدار. بعد فترة من النحيب والعزاء، يتكيف جسدي من جديد وتعود الإدارات لوظائفها كما كانت تعمل في السابق، ويعم السكون على الكلية ويقبل الواقع ويستعيد طاقته الطبيعية ويخف تورم خدي.

الكذب في الأدب أم في العالم الواقعي

قد نظن أن الإنسان يتصرف على حقيقته في الواقع، أما الأدب هو العالم الخيالي المختلق fiction، ولكن بظني أن الإنسان يمثّل في حياته اليومية ولا يعكس حقيقته التي يخفيها تجاوبًا للحدود الاجتماعية أو غيرها من الحدود،  ويكون الأدب هو نافذته للتعبير عن ذاته الحقيقة. فمن الذي يكذب هنا؟ العالم الواقعي أم الأدب؟

يخبرنا الدكتور سعد الصويان وغيرهم أن كل ما هو محرم قوله في الحياة الواقعية يجوز الحديث عنه بانفتاح في النص الأدبي، سواء كان شعرًا أم حكاية شعبية، فالشاعر يتغزل بمعشوقته وتتمرد السيدة التي لا تستطيع أن تكون صريحة في الحياة الحقيقة بذكر أبيات شعرية تعبر فيها عن كل ما يجول بخاطرها وتقاوم فيها سلطة المجتمع والذكورية من خلال الأدب كما ذكرت ليلى أبو لغد في أشعار قبيلة أبناء علي في مصر و الحكايات الشعبية في نجد التي تحدثت عنها هيله الخلف.

فصخ عقاله

أثناء مشاهدة The Last Duel في السينما، وهي قصة عن حادثة وقعت في العصور الوسطى في فرنسا، جاء مشهد أثناء المحاكمة عندما طلب فيها المدعي المبارزة مع المدعي عليه ثم خلع المدعي فقاز يده على الأرض وهو ما أثار دهشة الحضور وأربكهم، ضحكت غفران وقالت: “يعني فصخ عقاله”. بعد رجوع المدعي مكانه، وقف المدعي عليه وسار باتجاه القفاز على الأرض وحمله، وقد كرر بذلك ضجة عند الحضور لأن ذلك يعني استجابته لطلب المبارزة.

تحدث الدكتور سعد الصويان عن رمي الرجل رداءه أو أي شيء يلبسه على شخص آخر، وهو ما يرمز لدخول هذا الشخص تحت حمايته ويعتبر كل من يعتدي على الشخص المحمي كأنه اعتدى على الذي يحميه.

لماذا للملابس والقطع الذي يرتديها الناس رمزيات كبيرة مثل الشرف والحماية؟ هل يعتبر الناس ما يضعونه على أجسادهم جزءً متماهي مع ذاتهم؟

فوضى فوضى

مينا، أستاذة أحد المواد، تقول لنا في الأسابيع الأولى من دراسة الماجستير أنه من الطبيعي أن نشعر بالارتباك ومواجهتنا الدراسة بصعوبة، فهذا يعني أن الدراسة تتحدانا فعلًا، ونحن في مرحلة التعلم. أما إذا شعرنا بالهدوء والسهولة، فذلك يعني أننا لا نتعلم ولا نستفيد من الدراسة.

أظن أن هذا ما قصده مايكل روس، مدرس اللغة الإنجليزي في معهد شيكاغو، عندما قال: أحب الوظيفة التي “تبقيني على أطراف أصابعي”. 

كرر كلمة مشابهة عادل من شركة بي دبليو سي، عندما عملت في مشروع لدمج بنك الأهلي مع سامبا. كان يقول لنا أن شعور أن كل شيء في فوضى عارمة وأن كل شيء ينهار هو شعور طبيعي في أي مشروع.

في نفس الوقت، في كل مرة أكون “على أطراف أصابعي” أظن أن علي أن أفعل شيء لأكون أهدأ وأنني لا أعيش الحياة بشكل صحيح، وكل مرة أكون في وضع الهدوء أشعر بالملل وغياب المعنى من الحياة وقلة الأهمية.

صارحنا علي عزت بيغوفيتش وأخبرنا أن “الإنسان متناقض”.

يظن الإنسان أن العالم مرتب ويمشي على نظام، إلا أن هذا الترتيب وَهَم يتوهم به ليرتاح ويكون العالم من حوله منطقي. ولكن العالم غير منطقي، العالم غير منظم، العالم في فوضى عارمة. 

السؤال هو، كيف يكون الإنسان مرتاح داخليًا وهو في وسط تلك الفوضى التي أدركها ولا يستطيع أن يوهم نفسه بأي واقع آخر؟

تمرد الغزال

إن الخالق لمّا خلق الروح عيّن له حدودًا وحبسه في ثلاثة سجون: الزمان والمكان والجسد. 

وقد حقت اللعنة وهلك كل من حاول أن يخرج من هذه الحدود لأن الخالق قدسها وجعلها قدرا في رقبة المخلوق، ومخالفتها تمرد على ارادته.

وحدث أن اغتر الغزال بقرنيـه الكبيرين، وخرج عن القطيع في السهل تطاول في الجبال، واعتلى أعلى قمة … القمة المهيبة الزرقاء المعممة بالغمام التي يخشی حتى الودّان أن يقترب منها. فماذا كان جزاء لزيف الحجر خروجه؟ عاقبه الخالق بطائر متوحش لا تعلو عليه قمة، فبقر بطنه بضربة من مخلبه، وصرعه، وتدحرج عبر السفح وأعاده إلى السهل جثة مبقورة.

فمن أراد أن يخرج من المكان أراد أن يخرج من بدنه، ومن أراد أن يخرج من البدن أراد أن يخرج من الزمان، ومن أراد أن يخرج من الزمان ادعی الخلود، ومن ادعي الخلود كفر بقدره وتطاول على المعجزة ونافسه في الألوهية، ومن نافسه في الألوهية رده إلى الفنـاء. فلماذا نهرب من قدرنا ونذهب إلى تاسیلی؟ كيف نترك سهول الحمادة بمفاجآتها وزهورها وأعشابها وترفاسها وهوائها ونهاجر إلى ماوراء الرملة حيث تزحف الزواحف وتتسكع الوحوش؟

-من كتاب نزيف الحجر، إبراهيم الكوني