خروج “العدالة” من الظل

قبل حضورنا جلسة في المحكمة المدنية في مقاطعة كوك في مدينة شيكاغو، كان الأستاذ يسرد لنا قوانين الجلسة: التصوير ممنوع، والحديث ممنوع، وعلينا الوقوف عند دخول القاضي ولا نجلس حتى يجلس. ثم أخبرنا بقصة الرحلة التي انتهت بطرد طلاب معهدي من قاعة المحكمة بعد ما أزعجت دردشة أحدهم القاضي.

المكان شبيه بالمحاكم التي نشاهدها على التلفاز، جدرانٍ خشبية تعطي المكان هيبة فريدة مع العَلَم الأميركي على اليمين وطاولة القاضية في المقدمة ورائحة تجعل كل من يدخل يدرك أن المكان عتيق مر به آلاف البشر عبر السنوات.

دخلنا وقصة الطرد المرعبة خاطفة أذهاننا لدرجة جعلتنا نتحكم بصمتنا بكامل وعينا. جلسنا على مقاعد خشبية في الخلف تشبه مقاعد الكنيسة الطويلة الممتدة على اليمين واليسار.

القاضية كانت سيدة عمليّة سوداء البشرة تقرأ سلسلة طويلة من الجمل الرسمية على رجل وامرأة واقفين أمامها مستمرين في تبادل تكرار كلمة ”نعم“ حسب من توجّه له القاضية السؤال. همس لي زميلي على يميني الجملة التي قالها أستاذنا للطالب الجالس بجواره والذي قام بدوره بنقل الجملة شخص تلوا الآخر: ”أنها جلسة طلاق“. التفت إلى زميلتي على اليسار وهمست في أذنها: ”أنها جلسة طلاق“.

انتهت الجلسة ووقع كل من الطليقين الأوراق ثم أداروا ظهورهم متجهين للباب، عندها أدركو الأشخاص الجالسين في الصف الأخير على يمينهم والذين حضروا للتو جلسة طلاقهم. كأني رأيت رغبتهم بأن تبلعهم الأرض على أن يشاركهم مجموعة من الغرباء لحظة كُنت أظن أنها ذات خصوصية.

وقف صفنا كلٌ ينتظر تحرّك من على يمينه، القاضية تسأل موظف المحكمة ويجيبها بكل احترام وتبجيل، ثم انتَبَهت لنا ونحن نهم بالخروج ونادتنا. تجمدنا في أماكننا من الخوف، ثم طمننا مدرسنا أن القاضية تريد فقط الحديث معنا.

تحولت ملامح القاضية الجدية العملية المتململة التي شهدناها لمدة خمسة عشر دقيقة إلى شخصية لطيفة مثل أمٍ لديها فضول عن يوميات أبنائها. اقتربنا من طاولتها وشرح لها أستاذنا بخجل أننا طلاب من دول متعددة نتعلم اللغة الإنجليزية. كانت تسألنا عن دولنا وكيف نرى الحياة في شيكاغو والسكن الذي نقيم فيه، وانتهت بوصايا دفع الإيجار على الوقت المحدد تفاديًا للمشاكل.

ناقشنا عند عودتنا للصف ما شاهدناه، وتحدثتُ عن تعاطفي مع الشخصين اللذان بدا لي وكأني انتهكتُ خصوصيتهم، ولكن أستاذي الأميركي شرح لي أن فتح جلسات المحاكم يُعد تطبيقًا للشفافية في نظام العدالة، وأنه مواطن أميركي يدفع الضرائب ومن حقه أن يعرف ما يجول في المحاكم ويستطيع الدخول على بيانات المحكمة المتاحة لكل المواطنين. كما يحق للمنظمات العالمية حضور الجلسات لتُمثل دور الرقابة ضد انتهاك حقوق الإنسان.

ذكرت له ما قاله إدوارد سنودن، الذي سرّب بيانات سريّة لوكالة الأمن القومي الأميركية أثناء عمله في وكالة المخابرات، وهرب إلى روسيا خوفًا من قبضة أميركا. قال أنه لا يمانع العودة للولايات المتحدة لو كان سيحاكم في محكمة علنية مهما كانت العواقب القانونية، إلا أنه يعرف أنها ستكون محاكمة في الظل، ولذلك قرر الهروب.

بعد ما قرأنا في الصف الرسالة المفبركة إلى مارتن لوثر كينج، كان مدرسي الأميركي يعبّر عن استيائه من خساسة المخابرات وقتها، إلا أنني حدثته عن انبهاري من الشفافية العميقة التي تتسم بها المخابرات من هذا الكشف، بعض الأحيان.

هل سيكون العالم أفضل لو خرجت المحاكم من الظل؟ ربما.

رقص في منزل الجدة النيجيرية

23 أبريل عام 2016

في قطار الخط البني في شيكاغو، بالاتجاه للكنيسة النيجيرية، بدأ جاري الأمريكي من أصل نيجيري بتهيأتي لما سأراه من ممارسات في الكنيسة تفاديًا للصدمة الحضارية التي كان متأكد من حدوثها لي. 

بدأ بمعلومة كان يظن أنها ستكون غريبة على أنثى سعودية عربية مسلمة: ”حتى لا تنصدمي، نفصل في الكنيسة أماكن الجلوس بناءً على الجندر، النساء على اليمين، والرجال على اليسار“. تلا ذلك ملاحظة كان يقولها بجدية بالغة: ”وعلى النساء تغطية شعورهن بأقمشة متواجدة في الكنيسة“، ثم رفع حاجبيه وكأنه أدرك فجأة أنه يتحدث لمسلمة محجبة. ابتسم وقال: ”أوه، لا أظن أن لديك مشكلة“. وكانت آخر المعلومات: ”كما أن للنيجيرين رؤية مرنة ومسترخية للوقت“، و”ربما نبالغ نحن النيجيريين في احترام وتقديس الكبار أثناء التحية“.

وصلنا لمحطة كيدزي، ثم بعد عشر دقائق من السير، دخلنا الكنيسة. كان المدخل يعج بالنيجيرين من فئات عمرية مختلفة، عليهم رداء أبيض طويل بشرائط حمراء على الأكمام وعلى خاصرتهم، والسيدات مغطين رؤوسهن بأقمشة بيضاء تشبه قبعة الطبّاخ. كانت ردة فعل الجميع أثناء رؤية ديبو (جاري) الصراخ والترحيب الحار، تمامًا مثل الترحيب بحفيد عائد من السفر أثناء دخوله بيت جدته. ركض الأطفال باتجاهه، وكان ديبو يبادلهم الترحيب ويُسمي كل طفل باسمه ويعطيه اهتمامًا خاص. عرّفني على الجميع، ولقيت منهم ترحيب لطيف صادق ذكرني بدفأ الشرق الأوسط بعد غياب طويل.

كانت الجلسة الدينية مجدولة الساعة السادسة، وساعة دخولنا تشير على السابعة والنصف. تبيّن أن الجلسة لم تبدأ بعد، قلت له أنني كنت أظن أننا متأخرين، رفع كتفيه وهو يضحك قائلًا أن هذا ما قصده بـ“رؤية مرنة ومسترخية للوقت“.

دخلنا الغرفة الرئيسية، كانت الكراسي مصفوفة ويقابلها في الزاوية على اليسار في المقدمة فرقة موسيقية تُحضّر معداتها وخلفهم سماعات كبيرة تصدر منها أصوات بعض الآلات أثناء استعداد الفرقة و”تحمية الطيران“. 

هَلَل القسيس عند رؤية ديبو، فاتجه له ديبو وعندما اقترب منه، هبط على الأرض وانبطح على بطنه بكامل جسمه الطويل وكأنه غطّى نصف الغرفة، ورفع يده اليمنى ووضعها على حذاء القسيس يطلب البركة، ثم وقف بخفة على قدميه ووضع يده على قلبه وعانق القسيس بحرارة والذي كان بدوره يطلق الأدعية بالبركة.

بدأ القسيس الجلسة بكلمة ترحيبية وعلى وجهه ابتسامة مشرقة، وبعد ترديد الوعائظ الاجتماعية الأخلاقية، أشار للفرقة الموسيقية أن تبدأ العزف. كان الصوت صاخب على غرفة صغيرة، لدرجة أني كنت أشعر بالصوت في معدتي. عندها وقف الجميع وبدأو بالتصفيق وهم يهزون أجسادهم طربًا. كان هزّ أجسادهم والأجواء تحيل بقرب حدوث شيء كبير.

الموسيقا تزيد الحماس تدريجيًا إلى أن وصلت لنقطة قفز فيها بعض الواقفين عند كراسيهم إلى المكان الخالي في المقدمة، وبدأوا يرقصون على وتيرة واحدة، كلٌ يستجيب جسده لما يسمعه لا ما يراه، ولكني ظننت وأنا أرى تجانس رقصهم وكأنهم تدربو عليه مئات المرات. 

عندها خطر في ذهني وصف مالكوم إكس لساحات الحفلات في بوسطن في الأربعينات عندما كان يلمّع الأحذية ويجد في فترات الراحة فرصة لمشاهدة الرقص. كانت الساحة مكان يقيم فيه كل من البيض والسود حفلاتهم. يصف مالكوم رقص البيض:

[su_quote]وكأن أحدًا درّبهم على الرقص – يسار، واحد، اثنين، يمين، ثلاثة، أربعة – تتكرر نفس الخطوات والتصميم، وكأنهم مصابين بجروح.[/su_quote]

ثم يقارن رقص السود ويقول: 

[su_quote]لا يمكن أن يكون أي أحد في العالم قد صمم رقصاتهم التي يستجيبون فيها لكل ما يشعرون به.[/su_quote]

بعد ما انتهت الأغنية، رجع الراقصين إلى مقاعدهم ونحن نسمع أصوات أنفاسهم من التعب. وهمَّ الجميع بالجلوس، ورجع القسيس يلقي كلمة موعظة تطرّق فيها لزواج المثليين ووصفه أنه ذنب منافٍ للطبيعة وأن عليهم التوبة. 

بعد مواعظ طويلة كنت ألاحظ تأثيرها على البعض، بدأ الناس يحاولوا بكل بشاشة أن يوقفوا القسيس عن الحديث ليتمكنوا من العودة للرقص. كان الجميع يظن في كل مرة أنها الجملة الأخيرة التي سينطقها القسيس، إلا أنه حماسه يجبره أن يكمل. 

بعد ما تكررت المحاولات، تنحى أخيرًا وعادت الفرقة للعزف، وقفز بعضهم من كراسيهم وكأنهم عرفوا الأغنية من بداية العزف ودخلوا حالة تأهب. بعد عدة ثواني زادت الموسيقا حماسًا وامتلأ المكان في المقدمة بالراقصين. هذه المرة كان الرقص مختلف، يصفقون بأيديهم ويحركون أجسادهم بقوة وهم يدورون في حلقة متقابلين الوجوه ويطلقون صرخات التشجيع. 

دعاني بعضهم للانضمام وكأنهم يُضيّفوني لتناول الطعام، ولم أستطع الرفض. ”طبيت الملعب“ وبعد دقائق معدودة حركت فيها كل عضلة من جسدي، انتهت الأغنية وبدأنا نرجع للكراسي، وأذكر أن يدي كانت تألمني من قوة التصفيق الذي حاولت فيه أن أواكبهم.

استمرت الجلسة تتبدل بين المواعظ والرقص لساعات، إلا أننا خرجنا قبل أن تنتهي وقد انتابني صداع من قوة الصوت، وكانت الأغاني تتردد في رأسي طوال تلك الليلة.

Question

Quarantine gives us no chance to take our minds aways from the ultimate question: why are we created as dying creatures? We only get to live for 80 years after all, and, for thousands of years, there have been so many of us who are born and eventually die. One human being’s lifetime seems meaningless in history. What’s the purpose behind all of this? Why do we need to exist?

استعمار الأحفاد أجدادهم

تصنّع

تستفزني قليلًا الأعمال الفنية التي أشعر أن القائم عليها كانت نيته في العمل الاستعراض على الناس، ليُرشح عمله الفني، ويعلّق في معرض. أشعر أن العملية الفنية هنا جوفاء ومتصنّعة، وتنعكس على العمل الفني. لا ينطبق حكمي بالضرورة على كل الأعمال الفنية في المعارض.

الفن

يخبرنا علي عزت بيگوفيتش أن القيمة الحقيقة للفن لا تكمن في العمل الفني، بل في ما يحدث في وجدان الإنسان، وعالمه الجواني أثناء ممارسته للفن. الحالة التي يكون عليها أثناء الرسم أو العزف أو كتابة معزوفة هي الأهم. أما العمل الفني، فما هو إلا إنعكاس في العالم المادي لما يحدث في وجدان الإنسان. 

بجوار بيت السحيمي في القاهرة، أكثر أحياء المدينة عشوائية وفقرًا، رأيت طبعات اليد هذه على الجدار. سببت لي حالة من الذهول، هي في نظري عملٌ فنّي أصيل، لا تصنّع هنا. فقط إنسان يعبرّ عن ما بداخله، لم يطبعها لأنه أراد أن تعلّق في معرض ولا لتكتب عنها تقارير، فقط استجابة لصوت ملحّ داخله. طبع صاحبها يده لأجل الفن، فقط. تمامًا مثل زملائه في نجران، عندما طبعو أيديهم على صخرة يدمة، قبل أكثر من 2000 سنة.

محمد أسد

في طريقه إلى مكة، يصف محمد أسد الأناشيد التي يغنيها رجال القوافل المنتشرة في جزيرة العرب لإبلهم حتى تبقى 

[su_quote]منتظمة الخطو سريعة، وليطردوا هم أنفسهم النعاس عن أعينهم.[/su_quote]

يصف الأغاني ويقول:

[su_quote]أناشيد رجال الصحراء الذين ألفوا فضاءًا لا يعرف الحدود ولا الأصداء; ذات طبقة واحدة لا تتغير، مسترخية مبحوحة إلى حد ما.[/su_quote]

تحدّث أسد عن تاريخ هذه الأغاني فقال: 

[su_quote]لابدّ أن يكون أبوه قد غنّى من قبله، وجميع رجال قبيلته وغيرها من القبائل خلال آلاف من السنين، ذلك أن آلافًا من السنين كانت ضرورية لصوغ هذه النغمات والألحان والنغمات الرتيبة إلى الحدود، ولإعطاء شكلها النهائي الحاضر. دائماً تميل إلى أن تعبّر عن شعور الفرد.[/su_quote]

أثناء ترحاله، سمع أسد بدويًا أميًا يتلو أبياتا ً للمتنبي وعلّق على ذلك وقال: 

[su_quote]تشارك جماهير غفيرة من المسلمين غير المثقفين، وأحياناً الأميين أنفسهم، يومياً وبصورة واعية بمآثر ماضيهم الثقافية.[/su_quote]

وفسّر أحد الأسباب لذلك حيث كتب: 

[su_quote]تمكن من أن يذكر أبياتاً من شعر المتنبي تناسب المقام وتمثل حالة شهدها بنفسه.[/su_quote]

هنا البدو كانو يرددون قصائد لشاعر عربي عاش قبلهم ب 1000سنة، ولكنه لم ينفصل عنهم بل تمدد معهم إلى أن وصلهم بعد عبور آلاف الأجيال.

ما بعد الطفرة

أما اليوم، فقد زحزحت الطفرة ارتباط الإنسان بتراثة، ولم يعد جزءً من تمدد ثقافة أجداده من آلاف السنوت. جيل ما بعد الطفرة، المتعلم منه والأمّي، لا يشارك مآثر ماضيه الثقافي، ولا يحفظ أبيات المتنبي، ولا يردد أغاني الصحراء التي كانت تعبّر عن شعور أجداده، لأنها لم تعد تناسب الحالة التي يشهدها كما قال أسد. وهو تغيير جذري أخرج جيل مختلف تمامًا عن أبائهم الذين ما زالو يرددون: “يالله ويالله، غفار الزلة”و “يا ناشد عني تراني شليويح”.

تصنّع التراث

عندما يستخدم شباب ما بعد الطفرة التراث في العمل الفني، يعمل الفنان على شيء هو منفصل عنه، وليس إمتدادًا له، حتى لو ظَن أن هذا التراث هو جزء من هويته، إلا أنه في نفس الوقت عنصر غريب عنه، تمامًا كما يرى المستعمر تراث الشعب المُستعمَر، وربما يحتذي به ويكتب عنه ويرسمه.

الفنان يعمل على عمل فنّي يظن أنه يمثله، وهو في الحقيقة يجهله تمامًا، ولا يعبّر عن شعوره كفرد.

فن أصيل

أما أصحاب طبعات اليد في نجران والقاهرة الذين تفصلهم 2000 سنة، فقد شعرت أنهم متصلين مع تراثهم الإنساني، لم تأتي حقبة فصلتهم فيها الحداثة عن جذورهم الثرية. هم إمتداد فطري وغير متصنّع لآلاف الأجيال قبلهم. وكذلك طبعات أيديهم، فهي تمثّلهم تمامًا وتعبّر عنهم كأفراد، وهذا برأيي هو الفن الأصيل.

رسالة من لبنان: بين الأرز والبيض

لديّ صديقة رايقة اكتسبت عادة مراسلة الأصدقاء. في يوليو 2018، كتبت لي رسالة بخط يدها في ثلاثة أوراق. بعد مرور شهرين، كتبت لها الرد.


أهلًا لمياء،

أريد أن أخبرك أن أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أتلقى رسالتك هو الشعور الذي كان ينتاب الناس آلاف السنوات الماضية عند تلقيهم رسالة، ربما من خلف البحار والصحاري. رسالة آتية لهم لتخبرهم عن المجهول البعيد، سواء من قريب حبيب أو قائد الجيش. 

قررت أن أقرأها على رواقة وتمعّن، تمامًا كالأبطال في روايات جين أوستين، يركضن بحماسة ويقفزن على السرير ليقرأن تلك الورقة المقدسة. 

كل ما أشتاق له الآن هو البطئ، فسرعة الحياة اليوم في الرياض تقتلني. كان وصول الرسالة والشروع بالطقوس الواجبة لقراءتها يدخلني قليلًا في حالة البطئ التي دخلها الناس قبل عصر السرعة وعند تلقيهم الرسائل. كما لمست البطئ والرواقة التي كُنتي فيها عند كتابتك الرسالة.

كانت الخطة أن أرد عليك برسالة رايقة في نيويورك في أغسطس الماضي. تخيلت نفسي قبل السفر وأنا في حالة البطئ والهدوء في إجازتي الصيفية، أكتب لك رسالة في إحدى المقاهي المحلية في منهاتن. ويال حماقتي، كنت أخطط لرحلة روقان بطيئة في أكثر مدن العالم سرعة، نيويورك. 

نيويورك مدينة لا يمشي فيها الناس، بل يركضون، وكأنهم يريدون أن يسبقوا الزمن. أتعلمين، حتى الحيوانات والحشرات تركض، الكلاب والفئران والصراصير. 

مدينة ضخمة ومليئة ومتراكمة، أشياء كثيرة تحدث في كل زاوية وبقعة. لا يستطيع المرء فيها أن يرى كل شيء، إلا أن هاجس رؤية كل شيء أرهقني، وأصبحت أخطط كالمجنونة لزيارة كل مكان في كل دقيقة. 

أرسل لي حينها صديقي يوسف رسالة صوتية يتغزّل بنيويورك ويتذكر فيها أبيات شعر لوالت وايتمان:

[su_quote]أعطوني الوجوه والشوارع، دعوني أرى جديد منها كل يوم الأشخاص يتدفقون بلا نهاية، بأصوات ومشاعر قوية ومواكب فخمة فشوارع منهاتن تخفق صاخبة، كصخب عروق خافقة نسمع فيها قرع الطبول كما هي الحال الآن وجوه منهاتن وأعينها، أريدها إلى الأبد[/su_quote]

ولكن، ذهبت إلى متحف The MET، حيث عُرضت فيه غرف وصالونات ومكتبات بتصاميم تعود للقرن التاسع عشر والثامن عشر. تلك الصالونات بجدرانها الخشبية العتيقة، والجلسات وستائر الحرير الملونة بزخارف معقدة وجميلة، والكتب المصفوفة بجلودها الملونة العريقة، والمدفأة التي تذكرني بروايات دوستويفسكي وليو تولستوي. 

ذهلت! وغبطت كل من عاش في ذلك الوقت، تخيلت الحياة البطيئة العميقة التي كانوا يعيشونها. ذلك اليوم الطويل الذي لا تلاحقهم فيه أهداف كثيرة يجب تحقيقها، ولا أخبار متسارعة تكدر يومهم، يستطيعون قضاء ساعات طويلة في قراءة عميقة مع غياب الشعور بالذنب. تمنيت أن أقضي شهرًا واحدًا فقط في تلك الحقبة، أقرأ الكتب واستمتع بعمقها دون توقف، بعقل حاضر غير متوتر، مع غياب مداهمة الهواجس والتفكير بالعمل، ومع صمت الصوت الذي يجعلني أقف على أطراف أصابع قدماي. 

فشلت، لم أقضي لحظة بطيئة واحدة في نيويورك، وعدت أدراجي للرياض ولم أستطع أن أجلس ساعات قليلة للرد على رسالتك. 

حالة الركضة هذه غير طبيعية، غير إنسانية. 

أما هذه المرة، فكانت الوجهة بيروت. أغلقت تنبيهات كل شبكات التواصل الإجتماعي، بما فيها الوتساب، ولم أأخذ حاسوبي معي، وكل الأجهزة على الصامت، لا أفتح الجوال إلا لطلب سيارة أو لمعرفة اتجاهات الطريق. قررت أن أتذكر كيف كانت الحياة بدون الجوال. ونسيته.

يوم الجمعة 20 سبتمبر، الساعة 11 صباحًا، أوقف السائق المركبة في أحد شوارع بيروت الضيقة الملتوية، وأخبرني أن الفندق على اليمين في منتصف الدرج.

بيروت مدينة ساحلية بُنيت على عدة تلال، والسلالم في كل مكان. إذا أردت أن تصلي لبعض الأماكن، فعليك الصعود أو النزول على الدرج والتوقف في منتصفه لدخول المطعم على اليمين أو الفندق على اليسار. بالنسبة لي، أنا ابنة المدينة المسطحة في منتصف الصحراء، كان ذلك عجيبًا. تصورت حينها عزيمة الإنسان في البناء والإعمار. هناك تلة؟ لا مشكلة، نبني فوقها شارع أو عمارة. 

نزلت الدرج المبني تحت أقدامي من حجارة قديمة وأنا حاملة حقيبتي، أمرّ بين المطاعم والمحلات على يميني ويساري، والأشجار تغطي السماء من فوقي وتطل علينا الورود من شُرف الشقق في الدور الثاني. 

الفندق هو بيت قديم في حي الجميزة حوّله صاحبه اللبناني، ميشيل، إلى فندق (هوستيل). أبقى صاحبُه الملامح القديمة للبيت كما هي. كل شيء قديم هنا يذكرني ببيت جدتي في الملز، أظن أنها غادرته إلى منزل آخر عندما كان عمري سبع سنوات. بلاط الأرض نفسه، الأبيض المنقط بالأسود والرمادي، وكذلك الشبابيك والأبواب الخشبية المصبوغة باللون الأبيض وفي وسطها اكريليك شفاف مثلّج بزخارف بسيطة، والدرج ذو الدربزين الجداري القصير.

عندما انتقلت الوزارات من جدة للرياض، أمر الملك سعود ببناء حي الملز للموظفين في خمسينات القرن الماضي. كان يُعتبر من أفخم وأجد الأحياء في الرياض. كان جدي يعمل في وزارة المالية وأخيه مدير مدرسة، أعطاهم العمل في الحكومة الحق في الحصول على بيت في الملز، حيث كان بالنسبة لهم أفخم من الشانزلزيه وهو حي الناس “المتمدنين”. يقول عمي أن البيوت بُنيت بطريقة تعتبر حديثة وقتها بالنسبة لأهل نجد، فقد كان أهل الحجاز هم “الكشخة” وبُنيت البيوت لتنال رضاهم وليوافقوا على الانتقال من جدة.

عرفت الآن أن المصممين والمدرسة الفكرية للبناء جاءت من لبنان. فحتى مداخل الشقق في بيروت ومعالم البناء من الخارج تذكرني بحي الملز. كم هو غريب أن أمشي في شوارع بيروت في حي الجميزة في هذا العصر وأنا أشعر أنني على شارع الحمراء في الملز في الخمسينات.

هأنا في الخمسينات، في الملز، في هذا البيت القديم، وبدون جوال، في هذا الحي الهادئ، وأخيرًا، استطعت أن أعيش يومي ببطئ. 

أستيقظ الساعة 7 صباحًا وأنا أسمع الأغاني الأثيوبية للخادمات وهن منطربات يحضرن مائدة الافطار. الشباك يطل على عمائر الشقق المجاورة بشُرف عليها غسيلهم المنشور. أنزل للدور الأرضي لأجد الخادمات يتراكضن حاملين الصواني بصحون المربى والزيتون واللبنة المحلية والعنب الأخضر والبنفسجي، ورائحة القهوة السوداء الأميركية تبخّر المكان. 

 أقرأ رواية الأم لمكسيم گروكي، وهي الرواية التي تسببت في اندلاع الثورة الروسية ضد القيصر عام 1917.  تلك الرواية اللذيذة التي يُسهب فيها مكسيم التفاصيل بعناية وببطئ. يصف لنا أصابع يد الضابط وهو يختطف الكتب ويقلّب الصفحات، والصوت الذي يصدره رمي الكتب، 

قطعت قراءتي أهازيج وزغرطات عُرسٍ مجاور. بدأت عائلة العروس تزفها نزولًا من الدرج الذي يتواجد فيه الفندق. خرجت مع نزلاء الفندق وصاحبه ميشيل والخادمات بحماس. كان مع الخادمات بوادي فيها رز جاف، وميشيل يطلق التبريكات مهللًا وممازحًا الأسرة ويطلب من الخادمات: “ارمولهن رز”.

أخبرتني جارتي اللبنانية في الطائرة لاحقًا بالاعتقاد السائد عن الأرز وفوائده في الحماية من الحسد. ثم قالت: “وأنتم كمان عندكم البخور يحمي من الحسد، مهيك؟”. قلت لها: “لا، حنا عندنا التفال”.

للبنان علاقة غريبة مع الأرز، فشجرة الأرز مرسومة في علمهم، وكانت أول قطعة أثرية في المتحف الوطني ببيروت هي جذع شجرة الأرز، حيث كُتب على اللائحة الإرشادية: 

[su_quote]اشتهر أرز لبنان منذ القدم بنوعيته ورائحته العطرة. استخدم المصريون والآشوريون والبابليون الخشب في بناء سفنهم وقصورهم. ولبى حيرام، ملك صور، طلب سليمان وزوده بخشب الأرز لبناء الهيكل [المزعوم] في أورشليم.[/su_quote]

وحتى الثورات في لبنان يِسمونها بالأرز، فثورة 14 آذار عام 2005 تلقب بثورة الأرز، حيث انتفض الناس مطالبين بالاستقلال من التدخل السوري بعد إغتيال رفيق الحريري. 

مرّ موكب العرس، وعُدت إلى كتابي، إلى البُطئ والروقان. 

شكرًا لك على إدخال الرسائل لعالمي، فقد شعرتُ وأنا أكتبها أخيرًا بشعور بنات روايات جين أوستين واللاتي كنت أحسدهن. 

والآن، هبطت الطائرة وعادت تنبيهات شبكات التواصل الاجتماعي.


في يوم 17 أكتوبر 2019، بعد ثلاثة أسابيع من مغادرتي بيروت، اندلعت ثورة لبنانيّة جديدة، ولكن هذه المرة لم تكن رمزيتها في الأرز، بل البيض.